حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
16
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل . والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس . وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون . والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضا . وقيل : هم الذين قتلوا في سبيل اللّه ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة . وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار ، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال وَسِيقَ وهو على عادة إخبار اللّه تعالى . والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة ، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار ، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات ، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة . والخزنة جمع خازن ، والمراد بكلمة العذاب قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [ السجدة : 13 ] أو علم اللّه السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب . سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة ؟ الجواب من وجوه : قال جار اللّه : المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا ، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان . وقيل : طباق . وقيل : أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم . وقيل : إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة . وقال أهل العرفان : المتقون قد عبدوا اللّه للّه لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة ، فلا جرم يفتقرون إلى السوق . وقال الحكيم : كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق . سؤال آخر : لم قيل في صفة أهل النار فُتِحَتْ أَبْوابُها من غير واو وفي صفة أهل الجنة وَفُتِحَتْ أَبْوابُها بالواو ؟ والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [ التوبة : 112 ] وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا : إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها ، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [ ص : 50 ] فلذلك جيء بالواو كأنه قيل : حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها ، وعلى هذا فجواب حَتَّى إِذا محذوف وحق موقعه ما بعد خالِدِينَ أي كان ما كان من أصناف الكرامات